lundi 21 février 2011

الخطاب السياسي

تقديــم
ولما كانت السياسة على مر السنين قوة تنبني على فعل السلطة فهي كلام النفوذ من أهل المرجع الخطابي، وأنها النظام المتعاقد عليه لتأسيس وتشكيل أحكام تعقد الصلة بين الحاكم والمحكوم وبين فاعل الفعل السياسي والمستجيب للأحكام السياسية.
ولما كان كل كلام سياسة وليس كل سياسة كلام، فان موضوع السياسة اتخذ أبعاد فلسفية وفكرية متعددة مند التاريخ فمند أفلاطون وأرسطو واوغستين وميكيافليلي… والأخذ في المفاهيم والإشكالات والنظريات والنقاشات حول تأسيس مدونة النظرية للعمل السياسي وممارسة فعالة تنطوي تحتها مجموعة من الخلفيات والقوانين تشكل تقاطعا بين الصيرورة والارغامات الثقافية.
 ولما كان الخطاب مفهوما ومصطلحا إجرائيا ينطوي تحت الممارسة، فان الخطاب السياسي هو الممارسة السياسية التي تتمثلها القوى تحت مخطط نسقي ومعرفي هدفه إيصال الواقعة السياسية وغلق تجاوب وانفعال نحو المكونات المتشكل منها خطاب سياسي ما. ولدا، فان الخطاب السياسي مدونة خطابية مكونة من بنيات معقدة تشكلها الدلالة اللغوية، فهو نتاج اللغة وبها يوظف مقولاته السياسية ويتأسس كخطاب. فكيف ينحو الخطاب السياسي من التعريف إلى الممارسة؟، والى أي حد يصرح الخطاب السياسي انه نتاج عملية لغوية معقدة تسعى إلى تحقيقه على ارض الواقع؟، والى أي حد نستطيع أن نقول أن إستراتيجية اللغة في العمل السياسي تقنن وتنمط خطابيته؟، وهل بنية اللغة في الخطاب السياسي تخضع إلى تحولات وتعديلات في الزمان والمكان؟


الخطاب السياسي من التعريف إلى الممارسة
تعريف الخطاب السياسي
يعد الخطاب السياسي جملة الخطابات المشتركة في مفهوم الخطاب والتي تخضع إلى بنية الممارسة والتشكل البنائي المميز لكل خطاب.
والخطاب السياسي له مميزاته وبنياته التي تميزه كخطاب مركب من الجمل (الملفوظ) موجه عن قصد إلى المتلقي بقصد التأثير فيه وإقناعه بمضمون الخطاب عن طريق آليات وميكانيزمات منها: الشرح، التحليل والإثارة، ويتضمن هذا المضمون أفكارا سياسية، أو يكون موضوع هذا الخطاب سياسيا. ويهدف السياسي القائم  بتلفيظ الملفوظ السياسي إلى تغيير النفوس والعقول والأفكار والواقع مما يجعله في حالة لها صفات وسمات وهيئة معينة[1].
وتنقسم عناصر الخطاب السياسي كأي خطاب إلى ثلاث عناصر أساسية وهم:
مرسل الخطاب، الخطاب السياسي، ومتلقيه. أما بالنسبة إلى المتحدث-المرسل- فهو الفاعل السياسي الذي يقوم بإلقاء خطبة سياسية أو إجراء حوار سياسي أو إجراء تصريحات سياسية، يقوم فيها بتوصيل رسالة واضحة إلى هدف أو مجموعة أهداف بعينها.
حيث يقوم فيها المتحدث بتحديد محاور الحديث والرسالة وقد يتشاور في ذلك من اجل رسالة واضحة ومركزة. كما أن الخطاب يختلف من فرد إلى آخر على حسب المواقف والمواقع سواء داخل السلطة أو خارجها، مما يدل على أن فاعل الخطاب مهيكل الثقافة والوعي حيث أن شخصيته وطبيعته وثقافته عاملا أساسيا في الخطاب السياسي.
وإذا كانت صفات وبنيات وهيئات الفاعل السياسي لا تعد ولا تحصى فان ذلك راجع إلى الخطاب السياسي باعتباره نووية الحديث والدراسة وذلك أن الخطاب السياسي مرتبط بالمتحدث الذي يسعى إلى إبراز خطاب يكشف مقومات واضحة وبراغماتية كقانون الفعل السياسي[2]. ومن بين صفات الخطاب السياسي مستوى الصوت الذي يعد صلة واضحة مع ما يرمز إليه كالغضب والفرح والقوة والضعف وكذا بنية بعض الكلمات في ارتفاعها وقصر صوتها أو خفضه وهكذا. إلا أن أبنية الخطاب السياسي في المستوى الصرفي من أهم المستويات المكونة وتعني ما يطلقه السياسي من كلمات يراد بها معنى ترميزيا.
والاشتغال على الخطاب السياسي هو الاهتمام بالمعنى أو الدلالة التي تحققها الأفكار والموضوعات والمفردات والمضامين كمن يتحدث بالاستعارات او الفنية او الفاظ تنبع من صميم الموضوع المراد إيصاله كقولنا لسياسي ما "راس الحربة" بأنه الدفاع الجوي...[3] .
    وامتلاك الخطاب السياسي لهاته المرون هو نابع من وعي السياسي بالسياسة ولغتها والاهتمام الواسع بما يمكن أن تحققه اللغة من قصدية وتأثير، حيث أن اللغة تعبير واضح وتواصل في تحقيق الخير أو الشر وهي تربط السياسة بالواقع؛ لكن تتجاوز هذا الواقع لتصبح قوة سياسية تملك الوعي والفعل بالوعي[4]، مما تؤطر هذا الخطاب ضمن ممارسة تتراوح بين إشكاليات الواقع وتجاوز الواقع. وهذا ما يدل على أن الخطاب السياسي ما هو إلا ممارسة سياسية عن طريق اللغة.
وهكذا يعد الخطاب السياسي بشكل عام معظم البحوث التي تشتغل بقراءة الواقع السياسي بملفوظاته وتشكلاته واختلافاته، سواء داخل نسق واحد وفي انساق متضادة، وسواء كانت ملفوظات كتابية أو شفهية.
الممارسـة السياسيـة
لما كان الخطاب انجازا في الزمان والمكان، وقيامه يقتضي وجود شروط من أهمها المخاطب والمخاطب، وكيان الخطاب وما ينكون منه من أصوات وتراكيب ودلالات وتداولية...[5] ويبقى الخطاب السياسي احد التمظهرات الخطابية باعتبار انه ممارسة للسياسة يتحدد في قانون الفعل السياسي المرسل من طرف فاعل إلى منفعل. حيث أن الخطاب السياسي يتجاوز تلك العلاقة بين الحاكم وشعبه إلى ممارسة سياسية تتعلق بمسالة الهويات والدبلوماسيات وقضايا في النفط والاقتصاد والتربية والتعليم... انه الفعل المهجن الذي تنظم فيه كل الممارسات الخطابية الأخرى.
وإذا كانت السياسة عامة تتحدد بالممارسة السياسية التي تسعى إلى السلطة وتجاوزها والى المعارضة والمولاة والحياد، وهكذا الممارسة السياسية تعيش على انقاد ثنائية متصارعة فيما بينها. فالمشهد السياسي وما أنتجه من مصطلحات مثلا الديمقراطية واللبرالية... يثير لعبة سياسية غير متكافئة في سجال المنافسة لتبدو المقولة السياسية مؤذلجة تتجاوز فيها مجموعة من الخطابات منها الديني والعلمي والمعرفي... لتتحول السياسة إلى فعالية بروميتيوسية لتحدد موضوع فعلها من اجل التوكيد والتأييد. فالخطاب السياسي كممارسة من الممكن أن يحول الدين إلى عقيدة سياسية والسياسة إلى عقيدة دينية فهو يؤمن بقانون فعل القوة والتمويه واللعب بالكلمات[6].
واسترتيجية الممارسة السياسية تتقولب ضمن نمطية تعانق الخطاب اليومي لتتجاوزه إلى خطاب سياسي له مقوماته وممارساته.
حيث أن الفعل السياسي يعيد تراتبية الأزمان ويلحقها بالواقع ويمكن الأمكنة من استقلالية الاعتقادات، لتقول للعالم أن السياسة تنبني على ممارسة مسبقة الفعل ومخططة. فالرئيس الذي ينتهز من طرف شعبه من اجل الاستقالة ففي هذه الوضعية يمارس خطبة سياسية يذكر بها الشعب عن ما في الانجازات وعن مستقبل الأحلام وعلى أن واقعتهم تأتي في خضم الأحداث العالمية وان الإخلاص إلى الشعبية ينبني على تحديدات وإقامة الحدود وعدم الاستهتار وإدخال الآخر في مجال العلاقات المحلية وما إلى ذلك. وهاته الممارسة مبنية على آليات الدفع إلى إخماد النفوس والتأثير فيها وطبعها بالتسويف والأحلام[7]. فالممارسة السياسية ما هي إلا معرفة للواقع ووعي بالقانون والثقافة ومجريات العالم، وما دامت السياسة مؤطرة في نسق ثقافي عام وخاص فهي تخضع إلى تمثلات الدلالات الرمزية للثقافة لتعد الممارسة السياسية رمزية الدلالات وأفعالها.
تمثلات اللغة في الخطاب السياسي
تؤدي اللغة دور رئيسيا في التواصل والتنشئة الاجتماعية كما تسهم في صنع الشريعة للنظام السياسي وهي سياسة لأنها تتجاوز الخطاب اليومي والتخاطب العادي والأدوار الاجتماعية إلى الحفاظ على المؤسسات والمعايير الثقافية ووصف وكبح وتعزيز والحفاظ على الوضع الراهن، وفوق كل هذا فالسياسة لعب كلمات
مميزات اللغة في الخطاب السياسي
يتقلد السياسيون السلطة لأسباب منها أنهم يتحدثون ويقنعون ويحققون أهدافهم في السيطرة وتحقيق الولاء الشعبي لهم لأنهم يوظفون بذكاء الرموز اللفظية في نشاطهم الاتصالي[8]. واللغة السياسية بهذا المفهوم لا تتحقق بألفاظها وإنما بمعلوماتها التي تنقل لتحقيق التواصل وأغراض وأهداف. ولهذا فمضمون الخطاب السياسي يتعامل مع قضايا الشعب واهتماماته، التي تتراوح بين القضايا البسيطة والعادية والقضايا المتعلقة بالحرب والسلام والهوية... .
وقد يكون الجمهور المستهدف من هذا الخطاب أما جماعة سياسية أو قرية أو مدينة أو دولة... ولما كانت المشاركة في المشهد السياسي تعبئة لغوية فان الباحث غريبر ترى أن الخطاب السياسي مهم للغاية حيث أصبحت الصور اللغوية مصدرا رئيسي لفهم الواقع السياسي وأساس العمل وعدم العمل وأساس الخير والشر[9]. ولكن إذا كانت الكلمات المعبر عنها لا تقوى على الحقائق والأفكار، فان هذه الأخيرة لا يمكن أن تصبح قوية حتى تعرف، فمن دون لغة تصبح الحقائق والأفكار خرساء داخل المشهد السياسي وغير قادرة على التواصل، وهكذا عبر أرسطو لا يكفي أن يعرف المرء ما ينبغي أن يقال، بل يجب أن يقوله كما ينبغي.
ومن سمات اللغة في الخطاب السياسي أنها تحدد الأنا والانت مع قلة ورود ضمير المتكلم والمخاطب وكثرة الأفعال المنقضة. كلما توحي إلى قلة العلامات الدالة على المنطقية وإنما ورود علامات تنبني على التعددية في الأغراض والشعور، أنها تتماشى مع أهم السجلات المرتبطة بها. ولغة الخطاب السياسي تستحضر أفعال الانجازات السابقة وأفعال الحاضر والمستقبل.
كما انها تعبئ الخطاب السياسي وتشحنه برموز مستمدة من الثقافة والمتعاقد على الساحة المحلية والدولية كالوحدة والديمقراطية والشورى... وهذا تمثيل لغوي رمزي في الخطاب السياسي ما هو الا استراتيجية تكشف عن مرونة اللغة في تناصاتها مع نصوص عدة سواء دينية أو علمية... كما أن لغة الخطاب السياسي تكشف فيه عن لعبة استخدام الأساطير والبطولات والحكايات فقد تعتم أو تضيء القضايا عن طريق التكرار والاستعارات والمجازات[10]...
 وهكذا فلغة الخطاب السياسي تنكشف فيه كرمزية ثقافية وكمعرفة لغوية وحضارية،فهي تلطف القول عن طريق التلاقح اللغوي في الخطاب السياسي، كما انها قد تحدد الفعلية المباشرة في القول أو تحدد العمل السياسي في متضمن القول. والى أي حد تبقى المشاهد السياسية تعرف غزوا لغويا بين الأمس واليوم في تحقيق الأهداف والأغراض؟
وظيفة اللغة في الخطاب السياسي
وكما تحدثنا على أن الخطاب السياسي تمثل لغويا قبل كل شيء، فباللغة يتحقق كل شيء. وما دامت اللغة نفسها لا تتقيد باعتبارها فنا تواصليا فقط إلا أنها تؤدي وظائف متعددة داخل المجال السياسي منها التمويه، وحيث أن الخطاب السياسي خطاب التمويه اللغوي، فان اللغة تموه بل تحول الإطارات وتعمق الظواهر وتلغي المنطقيات وتكثر من التسويف والآمال المستقبلية، بل إنها قد تصادم واقعتين بين الماضي والحاضر بالحث عن الغرض الصائب والإقناع.
كما أن اللغة في المجال السياسي تؤدي إلى اللعب بالكلمات وان الكلمات تؤدي إلى اللعب بالواقع والأحداث؛ فان الحياة السياسية عن طريق اللغة توجد نفسها ضمن ثنائيات (الحرب، السلام، الموت، الحياة...). وقد تزيد عمقا لتصبح المنطقة الوسطى في حل هاته الثنائيات التي هي عبارة عن نزاعات. ولما كانت كوريا الشمالية في تعميق الظاهرة الدبلوماسية مع أمريكا فإنها تحددت باسم اللغة لرفض الحصار ولن تخضع إلى قانون المجتمع الدولي ما دامت تعبر عن وحدت تمسك بالبرنامج النووي فان لغة خطاباتها السياسية إلى أمريكا وحلفائها فجاءت تعبر عن غضب الشعب لا الحكومة، رغم أن الحكومة هي الممثل الخارجي للشعب وهكذا تصبح اللغة في الخطاب السياسي بين الممكن والمستحيل وتلعب دور القوة والضعف والخير والشر والكذب والحقيقة. فهي المرآة السياسية بامتياز التواصلية المنسجمة للأعمال والمحققة لفعل التأثير والتأثر وقانون الفعل فهي تسقط مجرد في زاوية الممارسة فهي تحول الأحداث المصيرية إلى لغة لا تعطي أهمية إلى ما هو مصيري والعكس صحيح.
وهكذا نخلص إلى أن تمثلات اللغة في الخطاب السياسي يندرج ضمن آليات الوسائل المعتمدة في تواصل السياسية مع الشعب والعالم، فهي التي تحقق الإيمان السياسي وقد تلغيه. وكما قد عايننا أهم الخصائص لا كلها المميزة للغة السياسية كخطاب لندرك على أن لغة الخطاب السياسي تمثل رمزي وأسطوري وتمويهي وثقافي بامتياز.


مقاربة تحليلية للغة في نص سياسي (نص صدام حسين):
إن ما يميز هذا النص السياسي لصدام حسين هو انه كباقي خطاباته يبدا بلازمة "الله اكبر"، حيث تعد شعارا للرسم العراقي وراية العراقيين، لتدل على الجهاد منذ زمن الرسول الكريم. وتزداد التعبئة الدينية في خطابه حينما يردد "الله اكبر" بصوت عال ومرتفع وقوي، ويكررها عدة مرات للتأكيد والاستمرارية.
وابتداء نص صدام حسين بالبسملة، ليليها نص ديني من القران الكريم، حيث تحدد الموقف الذي يسعى إلى التحدث فيه، ومن هنا فان النص الديني يعد تناصا مع النص السياسي ولازمة باسم الله، إن شاء الله، بإذن الله الحمد لله، وكلها معتقدات دينية تؤطر مرجع الخطاب وتحدده ضمن القصدية، وفي ذلك يتفق مع خطابات بن لادن وغيره. كما أننا داخل الخطاب نجد لازمة أخرى من اللوازم وهي "أيها الإخوة" وهي مقتبسة من "إنما المؤمنون إخوة"، صدق الله العظيم. ومفهوم الأخوة عند صدام حسين تحيل على إمكانية العمل الموحدة والانتماء الديني والعرقي.
وان ما يميز هذا النص تناصه مع بنية الخطاب السردي، حيث يسرد الأحداث التاريخية (عام 1991م حرب الخليج) وفيه استرجاع للماضي من اجل أن يذكر المستمع ويستنهضه للتأثير فيه من خلال كلام عاطفي، ديني مع ارتفاع الصوت في الخطاب وارتفاع الصوت ناتج على ان لكل مقام مقال، وحسب الحالات المراد إثارتها: الغضب، الحب...، من اجل إثارة النفوس والتأثير فيها باستخدام ألفاظ الجهاد والدين الإسلامي (النصر والجهاد...) والتضحية، وان النصر من عند الله وغير ذلك، انه خطاب إخباري؛ يخبر فيه المستمع متجاوزا الأخبار إلى تحريك المشاعر واستمالتها. وفي ذلك انتقاء من صدام حسين لخطابه في السرد والتأريخ، حيث أننا نجد طغيان الأسلوب الأدبي (لغة أدبية)، أكثر منه سياسيا. واستعماله لهذا الأسلوب ابتعادا عن النقد والغموض.
وفي هذا الخطاب نجده يستخدم الصفات بإضافة كلمات على نصه للتأثير في المستمع، حيث يصف الشعب بالعظيم، والعراق بالإيمان والجهاد والبطولة... ويصف النشامى بالمجاهدين والبسالة. وصدام حسين اختار لخطابه هذا ديباجة الوصف، وذلك بالربط بين اللفظ وصفته بواو العطف، وتحدث هاته الديباجة رنة لغوية ووقع موسيقي وصوت مرتفع الجرس، ومع ارتفاع الصوت في النبرة تحدث تنغيما من اجل التأثير في المستمع، وهذا يحقق إستراتيجية لخطابه. كما أننا نجده يستعمل أداة الحصر: "إلا" كشرط لتنفيذ الكلام من السامع ودغدغة المشاعر والحدة في الكلام ومع ذلك فهذا النص يتسم بالطول والتكرار، وجمل تتراوح بين الأدبية والسياسة.
ويستثمر صدام حسين النص الديني؛ مع صوت الأمر حيث يستعمل ألفاظا فيها فعل الأمر من اجل التحريض، ومع التكرار[11] في الكلمات والأقوال إلا انه يستحضر إستراتيجية الآخر: الخصم الآخر الذي هو أمريكا وحلفاءها وهدفه محاربة الكفر بالإسلام والجهاد، وهدم الكفر والكفار: (الأعداء كما يصفهم) أعداء الله؛ بالقزم الصغير...، بلغة الوعد والتهديد عن طريق ألفاظ الذم والخيانة، وهذا الفعل الخطابي ما هو إلا إثارة لغوية كاستعمال الفاء مع فعل الأمر من اجل السرعة وتتابع الأحداث (فارفعوا، فاستعدوا...)
كما انه استخدم الصيغ المستقبلية (فسوف، وسوف...)، حيث سعى إلى إبراز الآمال والطموح واستشراف المستقبل بتحقيق وانجاز المهام، وفي ذلك إثارته وتشويقه للمتلقي، كما انه استعمل الدعاء سواء المباشر وغير المباشر؛ لان الخطاب موجه للمسلمين كافة، فهو انطلاق يحدد المهام القومية العربية والوحدة الدينية والمشاكل العربية...، كما انه استحضر ثنائية الأنا الفردية والجماعية؛ أيها العراق...، نحن وإياكم، فهي مرتبطة بالجماعة وليس الفرد، واستعمل هذا الأسلوب ليزيل عن نفسه النقد، وان اليد الواحدة لا تصفق، وان انغماس الذات في الجماعة.
كما أن صدام استعمل ثنائية الهدم والبناء عن طريق اللغة[12] لان الخصم ذاته (أمريكا وإسرائيل) يجب محاربتها من منطلق الدين والاعتقاد "وما النصر إلا من عند الله". وفي ذلك توسلا بالدين والإسلام الحنيف، وان الهدم ما هو إلا قلع لجذور الصهاينة، وان البناء دين حنيف ودولة راسخة بالإيمان.
وهكذا فان النص السياسي الذي بين أيدينا يطرح إشكالية كبرى عن علاقة الدين بالسياسة، واستغلالهما من اجل تحقيق الأهداف. كما أن صدام حسين نفسه كانت مرجعيته غامضة نوعا ما، فهو انطلق من الاشتراكية وحدد الأنساق القانونية والسياسية لبلاده. ونحن تتساءل معه إلى أي حد استطاع صدام حسين بان يمرر إيديولوجيته ومرجعيته انطلاقا من تبرير وإستراتيجية تمويهية تؤكد قمة المعرفة بسائر الأنظمة وخطاباتها؟.
بمعايتنا للخطاب السياسي باعتباره لغة تنتج الفعل وتحقق القصدية كان لازما علينا تمثل الظاهرة السياسية، بالكشف عن أهم الجوانب التي تبرز لنا الكيفية التي يتعامل معها الخطيب السياسي من خلال الممارسة اللغوية في العمل السياسي، ومن خلال الأبعاد التي تحملها النصوص السياسية. ولذا فان اختيارنا لنص صدام حسين نسعى منه إلى مثله الراحل من نمذجة وصورنة خطابية سياسية، كما أننا نكشف عن الملامح المخصصة للاستراتيجيات الخطابية العربية، وما تؤديه اللغة من لعب كلامي في انفتاح النص السياسي على خطابات اخرى، واعتبارات تخص الوضعية الخاصة والعامة.


خاتمـــة
وهكذا نخلص؛ إلى أن الخطاب السياسي ممارسة للفعل اللغوي عن طريق اللعب بالكلمات، وما أدته اللغة من إنتاجية داخل الخطاب السياسي لتميزه عن باقي الانتاجات اللغوية للخطابات الأخرى خصوصا، أننا في مقاربتنا كشفنا عن النظرة الواسعة التي يجب ان يتحلى بها الخطيب، وعن المكونات الخطابية للفعل السياسي مع التدريب على الإلقاء وانه لكل مقام مقال.
وقد كشفنا في نص صدام حسين الخصائص المميزة لنمذجة خطابه خصوصا وان تجسيد العمل وتحقيقه وظيفيا ناتج عن إثبات اللغة، وانه في الأخير ما على الفرد أو الجماعة (المجتمع) إلا أن يستجيب للغة وقوانينها وسلطتها، ما دام انه من امتلك الخطاب امتلك السلطة. ونحن نتساءل في الأخير؛ إلى أي حد استطاع الخطاب السياسي أن يراعي المرجعيات، وان يتحرى الثقافية والمصداقية والحقيقية؟ !.         
   

     



[1]  للوسع احمد بن راسك بن سعيد: قوة الوصف، عالم الفكر، الكويت، عدد 1 مجلد 132، 2003م.
[2]  انظر موقع الجزيرة نت، اللغة كوسيلة للسلطة، 3/10/2004.
[3]  للتوسع: انظر ميشيل فوكو: نظام الخطاب، ت محمد بسيلا، دار التنوير، لبنان، 1984م.
[4]  نصر حامد ابو زيد، نقد الخطاب الديني، طبعة 1 1992م.
[5]  الزواوي بغورة، مفهوم الخطاب في فلسفة فوكو، المجلس الاعلى للثقافة، مصر، ط 1، 2000م.
[6]  موريس ابون نصر، لغة الخطاب السياسي بين الايديولوجيا والحقيقة، الحياة، 23 فبراير 1998.
[7]  عبد الوهاب الميري، سمات الخطاب الصهيوني المراوغ، التصادم بين من يلتزمون الصمت ومن يحاولون كشف المسكوت عنه، الحياة 19 مارس 1998.
[8]  للوسع احمد بن راسك بن سعيد: قوة الوصف، عالم الفكر، الكويت، عدد 1 مجلد 132، 2003م.

[9]  نصر حامد ابو زيد، نقد الخطاب الديني، طبعة 1 1992م.
[10]  عبد الوهاب الميري، سمات الخطاب الصهيوني المراوغ، التصادم بين من يلتزمون الصمت ومن يحاولون كشف المسكوت عنه، الحياة 19 مارس 1998.
[11]  انظر فليبي ساندرسي، نحو نظرية اسلوبية لسانية، خالد محمود جمعة، دار الفكر دمشق، ط1، 2003م.
[12]  انظر عبد الفتاح يوسف، فاعلية التكرار في بنية الخطاب مجلة فصول، ص31، 2003م.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire